الشيخ محمد الخضري بك

197

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

وقال : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ « 1 » ولمّا وصل عليه الصلاة والسلام الكديد « 2 » رأى أن الصوم شق على المسلمين ، فأمرهم بالفطر ، وأفطر هو أيضا ، وقد قابل عليه الصلاة والسلام في الطريق عمه العباس ابن عبد المطلب مهاجرا بأهله وعياله ، فأمره أن يعود معه إلى مكّة ويرسل عياله إلى المدينة . ولمّا وصل عليه الصلاة والسلام مرّ الظهران أمر بإيقاد عشرة آلاف نار ، وكانت قريش قد بلغهم أن محمّدا زاحف بجيش عظيم لا تدري وجهته ، فأرسلوا أبا سفيان بن حرب « 3 » وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول اللّه ، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مرّ الظهران ، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة ، فقال أبو سفيان : ما هذه لكأنها نيران عرفة ! فقال بديل بن ورقاء : نيران بني عمرو « 4 » ، فقال أبو سفيان : عمرو أقل من ذلك ، فرآهم ناس من حرس رسول اللّه فأدركوهم ، فأخذوهم فأتوا بهم رسول اللّه ، فأسلم أبو سفيان ، فلمّا سار قال للعباس : احبس أبا سفيان عند خطم الخيل « 5 » ، حتى ينظر إلى المسلمين ، فحبسه العباس ، فجعلت القبائل تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان ، وهو يسأل ، ويقول مالي ولها ، حتى إذا مرّت به قبيلة الأنصار وحامل رايتها سعد بن عبادة فقال سعد : يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة « 6 » ، اليوم تستحلّ الكعبة ، فقال أبو سفيان : يا عباس حبّذا يوم الذّمار « 7 » ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب « 8 » فيها رسول اللّه وأصحابه ، وحامل الراية الزبير بن العوّام ، فأخبر أبو سفيان رسول اللّه بمقالة سعد ، فقال عليه الصلاة والسلام كذب سعد ، ولكن هذا يوم يعظّم اللّه فيه الكعبة ويوم تكسى فيه

--> ( 1 ) سورة يوسف اية 92 . ( 2 ) هو ما بين الحرمين . ( 3 ) كان أبو سفيان رضيع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أرضعتهما حليمة ، وكان الف الناس له قبل النبوة لا يفارقه ، فلما نبئ كان أبعد الناس عنه . وأهجاهم له إلى أن أسلم ، فكان أصح الناس إيمانا ، وألزمهم له صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومات أبو سفيان في خلافة عمر رضي اللّه عنه ، وقال عند موته : لا تبكنّ عليّ . فإني لم أنتطق بخطيئة منذ أسلمت . ( 4 ) يعني خزاعة . ( 5 ) هو المكان الناتىء منه في الطريق ، ليتمكن من رؤية الجيش كله . ( 6 ) أي يوم حرب . ( 7 ) ما يلزم حفظه وحمايته . ومراده استعطاف العباس ليحميه من القتل . ( 8 ) لأن عدد المهاجرين كان أقل من عدد غيرهم من القبائل .